منتدى المتميزون
مرحبا بك في منتدى المتميزون

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدى المتميزون
مرحبا بك في منتدى المتميزون
منتدى المتميزون
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

رواية مريود (الجزء الاول)

اذهب الى الأسفل

رواية مريود (الجزء الاول) Empty رواية مريود (الجزء الاول)

مُساهمة  زقولو الخميس مارس 25, 2010 4:42 am

(2)
سعيد عشا البايتات القوى
قال الطاهر ود الرواس وهم على ظهور حميرهم ضحى . في طريقهم إلى سوق الخميس :
(( يومذاك أنت سألتني سؤال وأنا رديت عليه ، لكن إنت قطع شك ما سمعت الجواب )) .
أي سؤال ؟ وأي جواب ؟ ولكن سعيد القانوني كان أسبق . قال من على ظهر حماره (( الخندقاوي )) الملقب (( تاني دور)) كأنه يتحدث من منصه :
(( محيميد مما رجع من ود حامد وهو يسأل وينشد تقول عاوز يألف تواريخ )) . ضحك سعيد عشا البايتات القوى ، وضحك أحمد أبو البنات . كان عشا البايتات في طرف الركب ، كأنه على مسيرة جيش غازي ، بحماره ((الكورتاوي)) الأسود ذي الغرة على جبينه ، لجامه يشلشل ، والغررة طويلة ذات عبل تكاد تمس الأرض ، وهو بساقيه القصيرين وعسامته الكبيرة وشاربه المبروم كأنه أوزة تجلس على سنام جمل . قال :
(( أنا أديت محيميد كلام يغرفوه بي موازين الدهب والفضة . أوعى تنساه ، وقت تجي للكتابة)) !
قال أحمد بمرح :
(( إنت وين لقيت الكلام يا سجم الرماد ، كلامك كله خارم بارم )) .
كان رد سعيد عشا البايتات انه ضرب الحمارة على عجزها بعصاه الخيزران . لم تكترث ولم تغير سرعتها بل نفضت رأسها في الهواء بصلف . نظر إليها عشا البايتات بإعجاب ، نظرة متفحصة ناقدة ، وقال :
(( دحين يا أبو البنات الحمارة دي مو بت الحمارة العديلة ديك الجابها جدك من بحري ؟)).
وقال الطاهر ود الرواس :
(( المحسية حبوبتها . دي بت بتها . إنت الزمن ده كله عميان ولا شنو يا مرمد ؟ )) .
وقال سعيد القانوني :
(( عشا البايتات معذور . مخه مشغول بأمور السياسات العليا . دحين هو فاضي كمان عشان يأكد الحمارة أمها منو وحبوبتها منو ؟ والله يا الطاهر إنت ماليك حق . دا راجل بقى في زمرة الحكام الأجاويد أولاد البلد )) .
وقال الطاهر :
(( صدقت والله . دا زول من الكبارات . نحن الليلة أتشرفنا خلاص وقت جنابك زاملتنا للسوق . بعد شوية تشوفوا يا جماعة . أول نصل عند الجميز ، يقابلنا الحرس ، كركون سلاح ، يضربوا لنا تعظيم ، عشان جلات عشا البايتات )).
وقال أحمد :
(( صح أنت ليه ما بتشتريلك عربية بيب "جب" زي الرجال ؟ القروش الكتيرة دي رايد تخليها لي منوب ؟
وقال سعيد القانوني :
(( عربيات الجب إن شاء الله تطير في السماء . أولاد بكري من يومما جابو عربيتهم مسخو علينا دخول السوق . كل دقيقة وتانية توت وتوت ، عملوا لنا صداع )) .
هذا الكلام لم يغضب عشا البايتات . قال ، وهو يضحك ضحكته القديمة ، وقد أمال عمامته قليلا إلى الأمام ، في زاوية تقول بان سعيد عشا البايتات لا يبالي بأحد .
كانت حوافر الحمير تقعقع في الحصا محدثة نغما نشطا متحفزا ، يتزعمها حمار سعيد في أقصى اليسار ، تليه حمارة ود الرواس التي تسير بلا جهد ، مثل شخص واثق من مقدرته ، ثم حمار سعيد القانوني وحمارة محيميد في الوسط ، وفي اليمنة حمارة احمد أبو البنات . وعلى بعد منهم حمار عبد الحفيظ ، يسير كأنما وحده ، يسرع ويبطئ . كان عبد الحفيظ صامتا ، يحرك حبات مسبحته ، وقد وضع عنان الحمار على حافة السرج ، وتركه يمشي على هواه . قال سعيد عشا البايتات :
(( المال كتير أحمد الله ، وعربية الجب إن كنت عاوزها ماها مشكلة . لكن علي اليمين الإنسان مهما كان ، إذا ما شد للسوق فوق حمار عيل زي ده ، وخت فوقو السرج السناري والفروة المرعز ، وربط البطان وشكا له اللجام ، واتحكر قعد ، والحمار يمسي رب رب ، زي كأنه سردار ولا حكمدار ، والحمار ينهق ها ها فوق الحلال ... عليك أمان الله الراجل إن ما سوى جنس دا ما يقولوا عليه راجل أخو بنات )) .
قال الطاهر :
(( عشا السجم أتاريه عندو فهم )).
وقال أحمد :
(( وين يلقى الفهم ؟ حتى عن بقى اشترالو بابور بحر يا هو سجمه ورماده )) .
تجاهل عشا البايتات كل هذا ، ونظر إلى الحمارة وقال بإعجاب :
(( الحمارة دي طفيانة بالحيل . الداهية تقول أيل انحلا )) .
تعثرت الحمارة وكادت تقع ، وقال أحمد مذعورا ، بين الجد والضحك :
(( الله لا أداك حسنة . ما عارفاك ، عينك حارة زي نار جهنم . سحرت البهيمة )) .
قال عشا البايتات :
(( إذا عاوز تلبيها هسع اشتريها منك )) .
قال سعيد القانوني :
(( إنت حمارك الراكبه دا شن عيبه ؟ إذا كان القروش غلبتك ما تشوف لك مرة تعرسها )) .
قال ود الرواس :
(( عشا البايتات بعد دا ماليه عرس . أحسن له يمشي يحج )) .
وقال أحمد :
(( ويبقى اسمه شنو ؟ حاج عشا البايتات ؟)).
قال الطاهر :
عشا البايتات شنو كمان من الحج ؟ يبقى اسمه حاج سعيد )) .
ضحك سعيد عشا البايتات القوى ضحكة طويلة ، تخفي تحتها كلاما كثيرا . ومن عجب أن عبد الحفيظ أيضا خرج عن عزلته وصمته ، فضحك ضحكة قصيرة ضحلة ، جعلت محيميد يدرك بغتة كمن يتذكر ، أن عبد الحفيظ موجود معهم . بعد ذلك غنقطع حبل الحديث ، لأن شيئا ما في إنعكاس الضوء على سطح ماء النهر ، جعل محيميد يلتفت إلى الوراء ، أدار عنان حمارته واستقبل مشرق الشمس . بانت له من ذلك البعد كأنها على هضبة ، بلا أول ولا آخر ، مكشوفة كإنسان ينام في العراء بلا غطاء . الضفة الشمالية صفراء تتوهج تحت شمس الضحى ، ثم النهر، يختفي ويبين ، كالسراب ، كالبرق . أشجار السنط والطلح تتشبث بالماء ، تليها حقول القمح ، وحين يستقر النظر على غابات النخل في الوسط ، تفاجئه فورة الحياة فيها . حقول أخرى تمتد حتى أسفل البيوت ، بعدها رمال وصحراء لا تنتهي . بانت له معلقة في فراغ ، تدنو فإذا هي على مد الذراع ، ثم تعدو مبتعدة عنه كأنها حلم عسير المنال . هناك في وضح النهار سمع أصواتهم ، ورآهم مرأى العيان . تنادوا به من ناحية النهر والصحراء ، من الشرق والغرب . رآهم يخرجون من الماء ، ويتسللون بين فروع الشجر ، ويقفزون فوق هامات النخل ورؤوس البيوت ، وينطون كأنهم يرقصون فوق القباب ويذوبون في شعاع الشمس . الوقت ليس هذا ولا ذاك ، ولكن الشروق كالمغيب ، يصيران ، ويتكرران في كل ومضة عين . تنظر بلا فزع ولا دهشة ، ثم بوعي تام جذب عنان حمارته وأدار ظهره للشمس

زقولو

المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 20/03/2010
الموقع : مصنع سكر حلفا الجديدة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى